المشاركات

هل حرم الإسلام كنز المال؟

الحمد لله الإسلام لم يحرم كنز المال مطلقا ، وإنما ورد التحريم والوعيد الشديد على صاحب الكنز إذا لم يؤد زكاته ، وأما إن أدى الزكاة ، فليس بصاحب كنز مذموم قال تعالى  ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) التوبة/34 وروى أبو داود (1564) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :   ( مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَزُكِّيَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ )  [1] وروى البخاري (1404) عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ : أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرًا لِلْأَمْوَالِ وروى مالك ف...

تفسير: وهو معكم أين ما كنتم

بسم الله الرحمن الرحيم    قال تعالى " وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ " [الحديد:4]  قوله تعالى ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ الضمير﴿ هو ﴾ يعود على الله أي: الله سبحانه وتعالى مع عباده أينما كانوا وهذا يدل على كمال إحاطته عز وجل بنا علما وقدرة وسلطانا وتدبيرًا وغير ذلك    ولا نعني أنه سبحانه وتعالى معنا في نفس المكان الذي نحن فيه؛ لأن الله فوق كل شيء، كما قال الله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:5]  وقال تعالى ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:16] ، وقال ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255]   لكنه عز وجل ليس كمثله شيء في جميع نعوته وصفاته، هو عليّ في دُنُوِّه، قريب في علوِّه جل وعلا، كما قال الله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾[البقرة:186]   ولكن يجب أن نعلم أنه ليس في الأرض، لأننا لو توهمنا هذا، لكان فيه إبطال لعلو الله سبحانه وتعالى  وأيضاً فإن الله سبحانه لا يسعه شيء من مخلوقاته ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّ...

المراقبة

بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى ﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ﴾  [الشعراء:218،219]    المراقبة لها وجهان الوجه الأول: أن تراقب الله عز وجل والوجه الثاني: أن الله تعالى رقيب عليك  كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً﴾[الأحزاب:52]   أما مراقبتك لله فأن تعلم أن الله- تعالى- يعلم كل ما تقوم به من أقوال وأفعال واعتقادات  كذلك من مراقبتك لله، أن تعلم أن الله يسمعك، فأي قول تقوله؛ فإن الله تعالى يسمعك ؛ كما قال الله:﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:80] ، بلى: يعني نسمع ذلك   إن الذي تتكلم به - خيرًا كان أم شرًا، معلناً أم مسرًا- فإنه يُكتب لك أو عليك؛ كما قال الله تبارك وتعالى ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:18]، فراقب هذا الأمر ، وإياك أن تخرج من لسانك قولاً تحاسب عليه يوم القيامة، اجعل دائما لسانك يقول الحق أو يصمت، كما قال النبي عليه الصلاة...

المقصود بالنهي عن كثرة السؤال

الحمد لله روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :   (إن الله كره لكم ثلاثا : قيل وقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال) [1]   هذا الحديث من آداب الإسلام العظيمة ، إذا امتثله المسلم حفظ به عمرَه ، ومالَه ، وجهدَه ، ووقاه من شر النفس ونوازع التفريط والضياع  وقد ذكر العلماء رحمهم الله في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم (وكثرة السؤال) أوجها عديدة ، كلها تدخل في إطلاق هذا اللفظ ، وهي:   1- سؤال الناس أموالهم ، وبذل ماء الوجه في سبيل ذلك    2- سؤال العلماء عن المسائل العويصة التي لا تنفع المسلمين ، وإنما تفتح عليهم أبواب النزاع ، وتثير بينهم مكنون الشقاق   3- السؤال عن المسائل التي يندر وقوعها أو يستحيل ، لما فيه من التنطع والتكلف    4- كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان وتفاصيل الوقائع مما لا يقدم منفعة وإنما يضيع به الوقت    5- كثرة سؤال إنسان بعينه عن تفاصيل حاله ، والدخول في خصوصيات حياته التي يكره أن يطلع الناس عليها ، فيقع في الضيق والحرج بسبب سؤاله ...

حديث : ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه

الحمد لله ((ألا إني أوتيتُ القرآنَ ومثلَه معَه)) [1] "هذا حديث من الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعنى (ومثله معه) يعني أن الله أعطاه وحيا آخر وهو السنة التي تفسر القرآن وتبين معناه ، كما قال عز وجل   (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) النحل/44     فالله أوحى إليه القرآن وأيضا السنة وهي الأحاديث التي ثبتت عنه صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك من أمور الدين والدنيا ، فالسنة وحي ثان أوحاه الله إليه لإكمال الرسالة وتمام البلاغ ، وهو صلى الله عليه وسلم يعبر عن ذلك بالأحاديث التي بينها للأمة قولا وفعلا وتقريرا    ويدخل في الوحي الثاني الذي أوتيه النبي صلى الله عليه وسلم : الأحاديث القدسية التي يرويها الرسول عن ربه عز وجل ، فهي وحي من الله ، ومن كلامه سبحانه ، ولكن ليس لها حكم القرآن    وكل ذلك داخل في قوله سبحانه  (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ...

حديث : أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز

الحمد لله روى الإمام البخاري في " صحيحه " (رقم/2631) ، وقد بوَّب عليه رحمه الله بقوله : باب فضل المنيحة ، وهذا نصه   عنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَرْبَعُونَ خَصْلَةً - أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ الْعَنْزِ - مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهَا الْجَنَّةَ )   ومعنى قوله ( منيحة العنز ) : أي : عطية لبن الشاة . كما في " فتح الباري " (1/160)  والمنيحة: هي أن الإنسان يكون عنده غنم وفيها حليب، فيمنحها لفقير يحلبها ويستفيد منها، فإذا انتهى الحليب منها أرجعها إلى صاحبها، فهذا تصدُّق بالمنفعة، وليست تصدقاً بالعين، فالعين باقية على ملك صاحبها، ولكن الذي بذله صاحبها هو منفعتها، وهو الحليب الذي فيها؛ ليسد حاجة الفقير قوله ( إلا أدخله الله تعالى بها الجنة ) فالرسول صلى الله عليه وسلم ذكر أربعين خصلة، وذكر أن...

هل التأخر في سداد الدين يعتبر صدقة للدائن

الحمد لله   أ مر الله تعالى بإنظار المعسر حيث لم يجد وفاء فقال ( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ) البقرة/ 280 ثم ندب إلى الوضع عنه والتصدق عليه به أو ببعضه فقال ( وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) البقرة/ 280  وروى مسلم (3014) عن أبي الْيَسَرِ رضي الله عنه عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ( مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ ) وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أنظر معسرا كان له بكل يوم مثل قرضه صدقة قبل أن يحل ميعاد الدين ، وله مِثْلَا قرضه صدقة بعد حلول الدين عن كل يوم من أيام التأجيل والتوسعة على المدين ؛ وذلك ترغيبا في إعانة المسلم وإنظار المعسر لئلا يلجئه إلى التعامل بالربا المحرم الذي يوبق عليه كسبه ويؤذنه بحرب من الله ورسوله أو يضيق عليه أمره ويوقعه في الحرج  روى الإمام أحمد (22537) عَنْ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ( مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْ...

حكم قول : إلا رسول الله وسامحني يارسول الله

الحمد لله؛ وصلى الله وسلم على رسول الله، أما بعد:    فإننا نعلم أن الذين أطلقوا هذه العبارة إنما أطلقوها ذبًّا عن الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيما لجنابه وإنكارا على المسيئين إليه صلى الله عليه وسلم والمستخفِّين بجنابه الكريم ومقامه الرفيع فقد أرادوا بهذه العبارة تلك المعاني الشريفة، فهم إنما أرادوا بها خيرا ومعنى محمودا     ولكن إذا قطعنا النظر عن مراد من أطلقها فإنها لا تصح  عقلا ولا شرعا، فالتقدير المناسب لهذا الاستثناء:    سبوا من شئتم، أو أسيئوا إلى من شئتم، ونحو ذلك، وكل ذلك محتمل إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم      ولا يخفى ما في هذا من الفساد، فحقيقة العبارة يشمل ـ وإن كان غير مراد ـ التهاون بسب كل أحد من الملائكة والأنبياء والصحابة والتابعين وسائر المؤمنين إلا الرسول صلى الله عليه وسلم     ولهذا أرى أنه لا يجوز إطلاق تلك العبارة  لما تحتمله من المعنى الباطل، ويجب أن يستغنى عنها ببعض العبارات الواضحة الدلالة؛ نحو: لا نرضى الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أو الاستخفاف بح...

حديث : ويل للأعقاب من النار

الحمد لله عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: ( تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلاَةُ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ ( وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ). مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا )  [1]        ورواه مسلم (رقم/241) بلفظ آخر فيه : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : ( رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ ، فَتَوَضَّئُوا وَهُمْ عِجَالٌ ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ )    ( تخلف عنا )  أي تأخر عنا ( أرهقتنا الصلاة )  أي كاد وقتها أن يخرج ( ويل )  ا...

حديث لا غيبة لفاسق

الحمد لله "الغيبة محرمة ، شديدة التحريم ؛ لقوله تعالى :    (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا) الحجرات/11   ولما ثبت عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:  ( لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم ، قلت : من هؤلاء يا جبريل؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم)   رواه الإمام أحمد وأبو داود بإسناد صحيح   وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الغيبة بأنها ذكرك أخاك بما يكره  وتجوز في مواضع معدودة دلت عليها الأدلة الشرعية إذا دعت الحاجة إلى ذلك ؛ كأن يستشيرك أحد في تزويجه أو مشاركته ، أو يشتكيه أحد إلى السلطان لكف ظلمه والأخذ على يده ـ فلا بأس بذكره حينئذ بما يكره ؛ لأجل المصلحة الراجحة في ذلك  وقد جمع بعضهم المواضع التي تجوز فيها الغيبة في بيتين فقال : الذم ليـس بغيبـة في ستـة  متظلـم *ومعـرف *ومحـذر * ولمظهر فسقا ً*ومستفت *ومن طلب الإعانة في إزالة منكر أما إذا لم يكن هناك مصلحة راجحة ف...

التعبير بلفظ (خلق)عن أفعال غير الله

 الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: الخلق يستعمل في اللغة على وجهين أو بمعنيين: الخلق بمعنى الإيجاد وبمعنى التقدير، وكلا المعنيين ثابت في حق الله تعالى على وجه الكمال، فهو الخالق لكل شيء، وهو الذي جعل لكل شيء قدراً، ومن أسمائه (الخالق) و(الخلاّق)   قال تعالى (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) (الفرقان2) وقال عزوجل (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ) (الحشر24) وقال سبحانه وتعالى (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (المؤمنون14)     قال المفسرون: أي المقدرين، فإن المخلوق يوصف بالخلق بمعنى التقدير، ولكن قد يُقَدّر الإنسان ثم لا يَقْدِرُ على إيجاده كما قَدَّرَه، والله تعالى على كل شيء قدير، فما قَدَّرَه أَوْجَدَه على وفق تَقْديره، وذلك لكمال علمه وقدرته، بخلاف المخلوق فإنه ناقص العلم وناقص القدرة، ولهذا صار لفظ (الخلق) في عرف المسلمين مختصاً بالله، فهو الخالق والخلاّق، وهو خالق كل شيء، فلا تكاد تجد في كلام العلماء أو كلام عوام المسلمين استعمال هذا اللفظ إلا مضافاً إلى الله تعالى، وإضافة الخلق إلى بعض الأسبا...

حديث:أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم

الحمد لله هذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي وغيرهم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم إلا الحدود» وله طرق كثيرة لا تخلو عن مقال، ولكنه بمجموعها يكون حديثا حسنا ومعنى الحديث: استجاب ترك مؤاخذة ذي الهيئة إذا وقع في زلة، أو هفوة لم تعهد عنه، إلا ما كان حدا من حدود الله تعالى، وبلغ الحاكم فيجب إقامته والمراد ب (ذوي الهيئات) أهل المروءة والخصال الحميدة من عامة الناس، الذين دامت طاعتهم واشتهرت عدالتهم، ولكن زلت في بعض الأحيان أقدامهم، فوقعوا في ذنب وخطأ     ورد هذا المعنى العلامة ابن القيم رحمه الله قائلا:  إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعبر عن أهل التقوى والطاعة والعبادة بأنهم ذوو الهيئات، ولا عهد بهذه العبارة في كلام الله ورسوله للمطيعين المتقين     والظاهر أنهم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد، فإن الله تعالى خصهم بنوع تكريم وتفضيل على بني جنسهم، فمن كان منهم مستورا مشهورا بالخير حتى كبا به جواده، ونبا عضب صبره، وأديل عليه شيطان، فلا ن...

بعد أداء الحج هل يضمن المسلم غفران ذنوبه ؟

الحمد لله أولاً: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول    ( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ) [1]   وننبه هنا إلى أمرين :   الأول : أن هذا هو جزاء الحج المبرور ، فمن حج بمال حرام ، أو كان حجه غير خالص لله تعالى أو حصل منه رفث أو فسوق لم يكن حجه مبروراً ولم يرجع كيوم ولدته أمه     وقال بعض أهل العلم إن الحج المبرور هو المقبول وعلامة قبوله أن لا يعاود العبد معصية ربه تعالى ، وأن يرجع الحقوق إلى أهلها    الثاني : أن الحج لا يسقط الحقوق الواجبة كالكفارات والديون   ثانياً: المسلم الذي يكرمه ربه تعالى بأداء مناسك الحج ينبغي أن يكون خائفاً أن لا يكون قد قُبِل منه عمله ، وليس هذا من أجل أن يصير قانطاً من رحمة ربِّه تعالى بل حتى لا يصيبه الغرور ، وحتى يُقبل على ربِّه عز وجل بدعاء صادق أن يتقبل منه ويقبل عليه بعمل صالح يزيد في ميزانه يوم يلقى ربَّه تعالى     قال الله سبحانه وتعالى في وصف المؤمنين  ( وَالَّذ...

الحج لا يسقط الحقوق الواجبة كالكفارات والديون

الحمد لله ورد في فضل الحج أحاديث كثيرة تدل على أنه يمحو الذنوب ، ويكفر السيئات ، ويرجع منه الإنسان كيوم ولدته أمه   لكن هذا الفضل والثواب لا يعني سقوط الحقوق الواجبة ، سواء كانت حقوقا لله تعالى ، كالكفارات والنذور وما ثبت في ذمة الإنسان من زكاة لم يؤدها ، أو صيام يلزمه قضاؤه ، أو كانت حقوقا للعباد كالديون ونحوها ، فالحج يغفر الذنوب ، ولا يسقط هذه الحقوق باتفاق العلماء   فمن أخر قضاء ما عليه من رمضان مثلا ، وكان ذلك بغير عذر ، ثم حج حجا مبروا ، فإن حجه يسقط عنه ذنب التأخير ، ولا يسقط قضاء الأيام     قال في "كشاف القناع" (2/ 522) : " وقال الدميري : في الحديث الصحيح ( من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ) وهو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بحقوق الله تعالى خاصة , دون العباد ولا يسقط الحقوق أنفسها ، فمن كان عليه صلاة أو كفارة ونحوها من حقوق الله تعالى لا تسقط عنه ; لأنها حقوق لا ذنوب ، إنما الذنب تأخيرها ، فنفس التأخير يَسقط بالحج لا هي نفسها ، فلو أخرها بعده تجدد إثم آخر , فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق . قاله في المواه...

هل تحف الملائكة من يستمع لدرس علمي في فضائية أو يشارك في منتدى إسلامي؟

الحمد لله  روى مسلم ( 2699 ) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :  (... وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ)    وظاهر هذا الحديث يحصر الفضل الوارد فيه في مجالس العلم المعقودة في المساجد دون غيرها من الأماكن ، والمساجد هي أشرف أماكن في الأرض ، وأحبها إلى الله ، فلا يمكن أن يلحق بها غيرها في الفضيلة   ولا يشترط أن يكون هذا الاجتماع في مسجد واحد ، بل إذا تم سماع قول العالم أو الواعظ عن طريق القنوات ، وكان المستمعون في المسجد فيرجى أن يشملهم هذا الحديث   وقد كان الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تنقل بعض دروسه من المسجد إلى مدينة أخرى عبر الهاتف ، فسُئل مرة : يا فضيلة الشيخ، نحن نستمع كلامك الآن ونحن في بريدة فهل يحصل لنا الأجر، وندخل في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (ما اجتمع قوم في ...

التوفيق بين حديث : لن تُغزى مكة بعد هذا العام وغزو الحجاج والقرامطة لها

لي سؤال مرتبط بالحديث التالي من كتاب صحيح الجامع الصغير ( لَنْ تُغزى مكةُ بعد هذا العام أبداً ) ، فيكف يكون فهمنا للحديث وهناك حوادث ، مثل : غزو مكة على يد أبي طاهر من القرامطة ، والعراك الذي دار بين الحَجَّاج وعبد الله بن الزبير ؟     الحمد لله نص الحديث الذي سأل عنه السائل : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعِ بْنِ الأَسْوَدِ أَخِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :   (لاَ تُغْزَى مَكَّةُ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ أَبَداً)  [1]   وللحديث شاهد عند الترمذي ( 1611 ) عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْبَرْصَاءِ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يَقُولُ :   (لاَ تُغْزَى هَذِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)  [2]   وأما معنى الحديث فهو محمول على معنيين : الأول : أن أهل مكة لا يَكفرون أبداً , ولا يُغزون على الكفر ؛ وهكذا فسَّره سفيان بن عيينة ، كما نقله عنه الطحاوي في " شرح مشكل الآثار " ( 4 / ...