المشاركات

تفسير: ما يُجادل في آيات الله إلا الذين كفروا

الحمد لله ﴿مَا یُجَـٰدِلُ فِیۤ ءَایَـٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ فَلَا یَغۡرُرۡكَ تَقَلُّبُهُمۡ فِی ٱلۡبِلَـٰدِ﴾ [غافر4] قَوْلُهُ تَعالى: { ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا} . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّهُ لا يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ، أيْ لا يُخاصِمُ فِيها مُحاوِلًا رَدَّها، وإبْطالَ ما جاءَ فِيها إلّا الكُفّارُ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ الغَرَضَ الحامِلَ لَهم عَلى الجِدالِ فِيها مَعَ بَعْضِ صِفاتِهِمْ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: { وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ واتَّخَذُوا آياتِي وما أُنْذِرُوا هُزُوًا} [الكهف: ٥٦] وأوْضَحَ ذَلِكَ الغَرَضَ، في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، في قَوْلِهِ: { وَجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ} [غافر: ٥] . وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ الحَجِّ أنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في اللَّهِ مِنهم، أتْباعٌ يَتَّبِعُونَ رُؤَساءَهُمُ المُضِلِّينَ، مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ، وهُمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ تَعالى:{ وَمِنَ النّ...

تفسير : فلا يغررك تقلبهم في البلاد

الحمد لله قَوْلُهُ تَعالى:{ فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ} [غافر٤] نَهى اللَّهُ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم  في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، لِيَشْرَعَ لِأُمَّتِهِ عَنْ أنْ يَغُرَّهُ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في بِلادِ اللَّهِ، بِالتِّجاراتِ والأرْباحِ، والعافِيَةِ وسَعَةِ الرِّزْقِ، كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَفِيضُ عَلَيْها الأمْوالُ مِن أرْباحِ التِّجاراتِ، وغَيْرِها مِن رِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ﴾ [قريش: ٢] أيْ: إلى اليَمَنِ والشّامِ وهم مَعَ ذَلِكَ كَفَرَةٌ فَجَرَةٌ، يُكَذِّبُونَ نَبِيَّ اللَّهِ ويُعادُونَهُ. والمَعْنى: لا تَغْتَرَّ بِإنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ تَقَلُّبِهِمْ في بِلادِهِ في إنْعامٍ وعافِيَةٍ؛ فَإنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا يَسْتَدْرِجُهم بِذَلِكَ الإنْعامِ، فَيُمَتِّعُهم بِهِ قَلِيلًا، ثُمَّ يُهْلِكُهم فَيَجْعَلُ مَصِيرَهم إلى النّارِ. وَقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ مِن كِتابِهِ • كَقَوْلِهِ تَعالى: { لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَ...

حكم الأطعمة والمزروعات التي يتم تسميدها بالنجاسات

الحمد لله أولاً : لا حرج في تسميد المزروعات بالأسمدة النجسة ، سواء كانت متخذة من روث الحيوانات غير مأكولة اللحم ، أو من فضلات الإنسان ، أو أجزاء الميتة ، أو الحيوانات النجسة وهذا قول جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية     ثانياً : لا تأثير لتسميد الأرض بالنجاسة على الثمار والمزروعات ، وذلك لأنَّ النجاسات قد طَهُرت باستحالتها إلى غذاءٍ طيب تغذَّت به الشجرة ويؤكد ذلك عدم ظهور أي تأثير للنجاسة على الثمرة ، لا في اللون ، ولا الرائحة ، ولا الطعم   وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: " المشهور عند الحنابلة أنه يحرم ثمرٌ وزرعٌ سُقيَ بنجس ، أو سُمِّد به ؛ لنجاسته بذلك ، حتى يُسقى بطاهر وتزول عين النجاسة ... وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يحرم ولا ينجس بذلك ، إلا أن يظهر أثر النجاسة في الحب والثمر ، وهذا هو الصحيح ، والغالب أن النَّجاسة تستحيل فلا يظهر لها أثر في الحبّ والثمر " انتهى من " مجموع الفتاوى والرسائل " (11/52)   ولكن ما كان من المزروعات والثمار نابتاً في الأرض ، بحيث يكون ملابساً لهذه النجاسات   فلا بد من غسله قبل ا...

خطرالاطلاع على كتب أهل الضلال

الحمد لله يجب على المسلم أن يحافظ على عقيدته وإيمانه ، ويهتم بسلامة فطرته وفكره ، ويهرب بدينه وقلبه من الشبهات والفتن ، فإن القلوبَ ضعيفةٌ والشبهَ خطَّافة ، تخطف بشيء من البريق الذي يزينها به أهل البدع والضلالات ، ولكنها في الحقيقة شبه واهية ضعيفة. والنظر في كتب البدع والضلالة أو كتب الشرك والخرافة أو كتب الأديان الأخرى التي طالها التحريف أو كتب الإلحاد والنفاق لا يجوز إلا لمتأهِّل في العلم الشرعي ، يريد بقراءته لها الرد عليها وبيان فسادها ، أما أن ينظر ويقرأ فيها من لم يتحقق بالعلم الشرعي فغالبا يناله من هذه المطالعة شيء من الحيرة والغواية ، وقد وقع ذلك لكثير من الناس وحتى من طلبة العلم ، حتى انتهى بهم الأمر إلى الكفر والعياذ بالله     وغالبا ما يغتر الناظر في هذه الكتب بأن قلبه أقوى من الشبهات المعروضة   إلا أنه يفاجأ – مع كثرة قراءته – بأن قلبه قد تشرَّب من الشبهات ما لم يخطر له على بال. ولذلك كانت كلمة العلماء والسلف الصالحين على تحريم النظر والمطالعة في هذه الكتب  ثم إن العمر أقصر من قضائه في مطالعة الباطل ، فالحق والخير والعلم النافع ك...

إذا سافرَ المُتمتِّعُ بنيَّة الرّجوع إلى مكة هل ينقطع تمتّعه ؟

الحمد لله     مَن قدمَ مكَّة متمتِّعًا وفرغ مِن العمرة، ثم سافر مسافةَ قصر ٍ؛ كسفره إلى المدينة والطَّائف وغيرهما، فذهب كثيرٌ مِن أهل العلم إلى أنَّه ينقطع تمتُّعه ، استنادًا إلى أثر عمر -رضي الله عنه- وهو قوله: «إذا اعتمرَ في أشهرِ الحجِّ ثمَّ أقامَ فهو متمتِّعٌ، فإنْ خرجَ ورجعَ فليسَ بمتمتِّعٍ» ، وعن ابن عمر نحو ذلك قاله ابن قدامة في المغني   وحينئذٍ فإذا رجع إلى مكة فإنَّه يلزمه الإحرامُ مِن الميقات الذي يمرُّ به، كما لم لو يكن منه تمتعٌ قبلُ، فإن أحرمَ بالحجّ صارَ مفردًا، وإن أحرمَ بعمرة صار متمتعًا تمتعًا جديدًا. وذهب جمعٌ مِن أهل العلم سلفًا وخلفًا إلى أنَّه لا ينقطع تمتعه بسفره  ؛ فإنَّه سافرَ بنيَّة الرّجوع إلى مكة ؛ فهو مقيمٌ على نسكه، ومقتضى هذا القول -أعني القول بعدم انقطاع التَّمتُّع بالسَّفر العارض-: أنَّه لا يلزم مَن هذه حالُه الإحرامُ مِن الميقات عند رجوعه للحج ؛ لأنَّه يرجع لإتمام   نسكه الذي كان قد أحرم به، بل يُحرم مِن مكة يوم التَّروية كغيره مِن المحلِّين، وتكون حاله كأهل مكة. ويؤيد هذا الحكم: أنَّ الرَّسول -صلَّى الله علي...

تفسير: لتركبن طبقاً عن طبق

الحمد لله ﴿فَلَاۤ أُقۡسِمُ بِٱلشَّفَقِ () وَٱلَّیۡلِ وَمَا وَسَقَ () وَٱلۡقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ () لَتَرۡكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَق) [الانشقاق ١٦-١٩] هذه الجملة مكوَّنة من قَسَم، ومُقسَم به، ومقسَم عليه، ومُقسِم، فالقسم في قوله:{ لَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ قد يظنُّ الظانُّ أن معنى ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ نفي، وليس كذلك، بل هو إثبات، و(لا) هنا جيء بها للتنبيه، أمَّا المقْسِم فهو الله عز وجل، فهو سبحانه مُقْسِمٌ، أمَّا المقسَم به في هذه الآية فهو الشَّفَق وما عُطف عليه.   وقوله: ﴿بِالشَّفَقِ﴾ الشَّفَق هو الحُمرة التي تكون بعد غروب الشمس، وإذا غابت هذه الحُمرة خرج وقتُ المغرب ودخل وقتُ العشاء، ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾   الليل معروف، فما معنى ﴿مَا وَسَقَ﴾ ؟ أي: ما جمع؛ لأنَّ الليل يجمع الوحوش والهوامَّ وما أشبهَ ذلك، تجتمع وتخرج، تَبرز من جحورها وبيوتها، وكذلك ربما يشير إلى اجتماع الناس بعضهم إلى بعض. ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ القمر معروف، ومعنى ﴿إِذَا اتَّسَقَ﴾ يعني: إذا اجتمع نوره وتمَّ وكمل، وذلك في ليالي الإبدار    ثم قال { لَتَرْكَبُنَّ طَبَق...

وقفة مع قوله تعالى:ويلً للمطففين

الحمد لله ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين ١] إنَّ الله ابتدأ هذه السورة بكلمة ﴿وَيْلٌ﴾ ، و ﴿وَيْلٌ﴾ تكرَّرت في القرآن كثيرًا، وهي على الأصح كلمةُ وعيدٍ يتوعَّد الله سبحانه وتعالى بها مَن خالَف أَمْرَه أو ارتكبَ نهيَه , فهنا يقول عز وجل:    ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ، فمَن هؤلاء المطفِّفون؟    هؤلاء المطفِّفون فسَّرتهم الآيات التي بعدها، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين2-3]. ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ يعني: اشتروا منهم ما يُكال، استوفوا منهم الحقَّ كاملًا بدون نَقْص. ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ يعني: إذا كالوا لهم؛ بأن كانوا هم الذين باعوا الطعام كيلًا، فإنهم إذا كالوا للناس أو باعوا عليهم شيئًا وزنًا إذا وَزَنوا للناس نقصوا؛ ﴿يُخْسِرُونَ﴾   فهؤلاء -والعياذ بالله- يستوفون حقَّهم كاملًا وينقصون حقَّ غيرهم، فجمعوا بين الأمرين؛ بين الشُّحِّ والبخل؛ الشُّح في طلب حقِّهم كاملًا بدون مراعاةٍ أو مسامحة، والبخل بمنع ما يجب علي...

طريقة حفظ القرآن الكريم

الحمد لله قواعد مهمة لحفظ القرآن الكريم : الإخلاص :    وجوب إخلاص النية ، وإصلاح القصد ، وجعل القرآن والعناية به من أجل الله تعالى والفوز بجنته ، والحصول على مرضاته فلا أجر ولا ثواب لمن قرأ وحفظ القرآن رياء أو سمعة      تصحيح النطق والقراءة :    ولا يكون ذلك إلا بالسماع من قارئ مجيد أو حافظ متقن . والقرآن لا يؤخذ إلا بالتلقي . فقد أخذه الرسول صلى الله عليه وسلم من جبريل شفاها . وأخذه الصحابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم شفاها وسمعه منه وأخذه كذلك أجيال من الأمة.    تحديد نسبة الحفظ في كل مرة :    فيجب على مريد القرآن أن يحدد المراد حفظه في كل مرة ، وبعد تحديد المطلوب وتصحيح النطق تقوم بالتكرار والترداد   لا تجاوز مقررك اليومي حتى تجيد حفظه تماما :    فلا يصح للحافظ أبدا أن ينتقل إلى مقرر جديد في الحفظ إلا إذا أتم تماما حفظ المقرر القديم وذلك ليثبت ما حفظه تماما في الذهن . ومما يعين على حفظ المقرر أن يجعله الدارس شغله طيلة الليل والنهار وذلك بقراءته في الصلاة السرية ، وإن كان إماما ففي الجهري...

هل صيام رمضان لا يرفع إلا بزكاة الفطر؟

الحمد لله ورد في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن ضعيف.  وضعفه السيوطي ، وبين المناوي في "فيض القدير" سبب ضعفه فقال : "أورده ابن الجوزي في "الواهيات" وقال : لا يصح ، فيه محمد بن عبيد البصري مجهول " . وضعفه الألباني في : سلسلة الأحاديث الضعيفة" (43) وقال : " ثم إن الحديث لو صح لكان ظاهر الدلالة على أن قبول صوم رمضان متوقف على إخراج صدقة الفطر ، فمن لم يخرجها لم يقبل صومه ، ولا أعلم أحدا من أهل العلم يقول به . والحديث ليس بصحيح " انتهى باختصار .    وإذا لم يصح الحديث ، فلا يستطيع أحد القول بأن صوم رمضان لا يقبل إلا بزكاة الفطر ، لأن هذا لا يمكن معرفته إلا من النبي صلى الله عليه وسلم . وقد ثبت في سنن أبي داود (1609) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ :   ( فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ)   وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود  فهذا الحديث يبين الحكمة من زكاة الفطر ، وأنها تجبر النقص الح...

حكم مطالعة كتب أهل الكتاب

الحمد لله التوراة والإنجيل هما في الأصل من عند الله تعالى،ويجب علينا أن نؤمن بهما لقوله تعالى: ( قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) البقرة / 136  لكن لَحِق التوراة والإنجيل التحريف والتبديل ، قال الله تعالى :  ( فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ ) البقرة / 79 . وبسبب هذا التحريف واختلاط الحق بالباطل فيهما ؛ جاء النهي عن مطالعتهما.   عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكُتُبِ ، فَقَرَأَهُ على النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ ...

كيف يقضي المسلم ما فاته من الصلاة

الحمد لله   الواجب على من كانت عليه صلوات مفروضة أن يبادر بقضائها كما لو أداها، إن كانت جهرية قضاها جهرًا؛ كالفجر، والعشاء، والمغرب، وإن كانت سرية قضاها سرًا؛ كالظهر، والعصر، يقضيها كما يؤديها في وقتها، هذا إذا كان تركها عن نسيان، أو عن نوم، أو عن شبهة مرض يزعم أنه لا يستطيع فعلها وهو في المرض فأخرها جهلا منه، فهذا يقضيها كما كانت؛  لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك " [1]   أما إذا كان تركها تعمدًا، ثم هداه الله وتاب فليس عليه قضاء؛ لأن تركها كفر أكبر إذا كان تعمدًا، فإذا تاب إلى الله من ذلك فليس عليه قضاء؛ لأن التوبة تمحو ما قبلها، إذا تاب العبد توبة صادقة من تركه للصلاة محا الله عنه بذلك ما ترك، وليس عليه قضاء في أصح قولي العلماء. إنما القضاء في حق من تركها نسيانًا، أو بسبب نوم، هذا هو الذي يقضي، أما الذي يتركها تعمدًا فهذا يكفر بذلك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " [2] ، وقال عليه الصلاة والسلام: " بين الرجل وبين الشرك والكفر تر...

متى تدفع فدية الصوم

الحمد لله فإذا كان المريض ممن لا يُرجى بُرؤه وشفاؤه في المستقبل ، فإنه تجزئه الفدية ، وهي إطعامُ مسكين عن كل يوم . لقوله تعالى :{ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } البقرة:184 وهكذا الرجل الكبير السن والمرأة الكبيرة . وقد صح عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه قال عنها :  ليست بمنسوخة ، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة ، لا يستطيعان أنْ يصوما ، فليطعما مكان كل يوم مسكينا. [1]   وأما قوله تعالى ( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) البقرة : 184 فهي للمريض الذي يرجى برؤه وشفاؤه ، فإنه يفطر إذا مرض ، ويجب عليه القضاء بعد رمضان إذا شُفي من مرضه. وإذا تقرر هذا ، فلا بد من العلم إنّ الفديةَ عن المريض لا يجوزُ إخراجها عن يومٍ من رمضان إلا بعد استباحة فطره ، أي بعد تحقق طلوع فجر ذلك اليوم وفطره ، لأنها لا تثبتُ في الذمة قبل ذلك ، فإن التكليفَ بالصيام لا يثبتُ إلا بطلوعِ الفجر ، ولا تكون الذمة مشغولة بالفدية إلا بعد الفطر في الصيام الواجب. وهي ككفارة اليمين ، فإنها لا تثبت في الذمة إلا بعد الحلف ثم الحنث فيه ...

علامات رضا الله عن عبده

الحمد لله فإنَّ رضوان الله عن عبده لا يُعلَمُ إلا بخبرٍ منه تعالى، أو مِن رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم ؛ فلا يجوز أن يُحكمَ به لأحدٍ إلا بدليلٍ مِن كتابٍ أو سنَّة والعبدُ مأمورٌ بطلبِ رضوان الله بأسبابه مِن الإيمان والعمل الصَّالح، ومِن ذلك الدّعاء، فيسألُ العبدُ ربَّه رضاه، كما يسألُه الجنَّة، فيقول: أسألكَ رضاكَ والجنَّة، اللهم ارضَ عني، ويسِّر لي أسباب رضاك، وليس للعبدِ أن يسألَ ربَّه بصيغة الاستفهام ؛ فيقول: يا ربّ هل أنتَ راضٍ عني؟ فهذا مِن لغو القول ؛ لأنَّه لن ينزل عليه وحيٌ بالجواب إثباتًا أو نفيًا، فيكون حينئذٍ مِن التَّعدِّي في الدّعاء.   وليس لرضا الله علامات توجبُ القطع للعبد بحصوله، لكن له علامات توجبُ الرَّجاء في حصول الرضا، وهي: الاستقامةُ على فعل الأعمال الصَّالحة، واجتنابُ ما نهى الله عنه ورسوله، مع الخوف مِن الردِّ وعدم القبول، كما قال الله تعالى عن أوليائه: { وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ  } [المؤمنون:60] ، وجاء في تفسير هذه الآية عن عائشة -رضي الله عنها- قالت للرَّسول -صلَّى ا...

معنى تردد الله في قبض نفس المؤمن

الحمد لله ثبتَ في صحيح البخاري (6502) في الحديث القدسي أنَّ الله تعالى يقول:   " مَن عادَى لي وليًّا فقد آذنتُهُ بالحربِ" إلى قوله: ( وما تردَّدتُ في شيءٍ أنا فاعلُهُ تَردُّدي عن نفسِ المؤمنِ يَكرهُ الموتَ وأنا أكرهُ مساءَتَهُ". فالتردد الوارد في الحديث هو التردد في قبض نفس المؤمن ، رحمةً وشفقةً عليه ، ومحبةً له؛ لأنه يكره الموت ، وربه سبحانه يكره مساءته.وليس هذا كتردد المخلوق الناشئ عن الشك في القدرة ، أو في المصلحة. ولهذا يجب أن يقيد وصف الله بالتردد بقولنا : التردد في قبض نفس المؤمن ، فهذا هو الوارد في النص ، ولا يوصف الله تعالى بالتردد المطلق الذي يشمل أنواعا من العجز والنقص التي لا يجوز نسبتها إلى الله تعالى    سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :   ورد في حديث: (من عادى لي ولياً) في نهاية الحديث يقول الله عز وجل: (وما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن) فهل في هذا إثبات صفة التردد لله عز وجل؟   فأجاب :  " إثبات التردد لله عز وجل على وجه الإطلاق لا يجوز؛ لأن الله تعالى ذكر التردد في هذه المسألة: (...

وطء المطلقة في العدة من غير نية إرجاعها

الحمد لله عدة المطلقة طلاقا رجعيا ثلاث حيض إن كانت من ذوات الحيض وثلاثة أشهر [*] إن كانت يائسة أو صغيرة لا تحيض لقوله تعالى:{ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} البقرة228    وقوله تعالى:{ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ } الطلاق/4 وللزوج أن يراجع زوجته خلال العدة ، رضيت بذلك أو لم ترض. وتحصل الرجعة بالقول الدال عليها ، باتفاق العلماء ، كقوله : راجعتك. واختلف الفقهاء في حصول الرجعة بالفعل ، كالوطء ومقدماته على أربعة أقوال : 1- فذهب الحنفية إلى أن الرجعة تحصل بالوطء والتقبيل بشهوة على أي موضع كان ، وباللمس ولو مع حائل يجد معه الحرارة بشهوة ، واعتبروا ذلك كله رجعة بالدلالة , فكأنه بوطئها قد رضي أن تعود إلى عصمته. 2- وذهب المالكية إلى صحة الرجعة بالفعل كالوطء ومقدماته بشرط أن ينوي الزوج بهذه الأفعال الرجعة , فإذا قبلها أو لمسها بشهوة , أو نظر إلى موضع الجماع بشهوة , أو وطئها ولم ينو الرجعة فلا تصح الرجعة بفعل هذه الأشياء , ويكون ق...

السؤال الذي يجب أن يَرِدَ على النفس

الحمد لله  السؤال الذي يجب أن يَرِدَ على النفس، ويجب أن يكون لديك جواب عليه هو:  على أي حال تموت؟! وأريد بقولي: على أي حال، لست أريد: هل أنت غني أو فقير، أو قوي أو ضعيف، أو ذو عيال أو عقيم، لا، على أي حال تموت في العمل، هذه النقطة.   فإذا كنت تسائل نفسك هذا السؤال فلا بد أن تستعد، لا بد أن تستعد؛ لأنك لا تدري متى يَفْجَؤُك الموت، كم من إنسان خرج يقود سيارته ورُجِعَ به محمولًا على الأكتاف، وكم من إنسان خرج من أهله يقول: هَيِّئُوا لي الطعام الغداء أو العشاء، ولكن لم يأكله، وكم من إنسان لبس قميصه وزَرَّ أَزِرَّتَه ولم يَفُكَّها إلا الغاسل يُغَسِّله، هذا أمر مشاهَد بحوادث بغتة، أي حال يكون.   أنت انظر الآن وفَكِّر على أي حال تموت -نسأل الله أن يرزقني وإياكم التوبة والإنابة-  ولهذا ينبغي لك أن تُكْثِر من الاستغفار، أكثر من الاستغفار ما استطعت؛ فإن الاستغفار فيه من كل هَمٍّ فَرَج، ومن كل ضيق مَخْرَج، حتى إن بعض العلماء يقول: إذا استفتاك شخص فاسْتَغْفِر اللهَ قبل أن تُفْتِيَه؛ لأن الذنوب تَحُول بين الإنسان وبين الهدى، واسْتَنْبَط ذلك من قول الله تبارك و...

:تفسير قوله تعالى : ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلاً

الحمد لله معنى الآية الكريمة فمن الناس الذين أعطاهم الله العلم بآياته من يشتري ثمناً قليلاً بهذه الآيات أن يحابوا الناس في دين الله من أجل الدنيا، أو يحافظ على البقاء، أو يحافظ على بقاء جاه ورئاسته من أجل الدنيا، ويدع دين الله     فمثلاً يكون هناك عالماً يعلم أن هذا الشيء حرام، لكن لا يقول: إنه حرام يخشى أن العامة تنصرف عنه، وتقول: إنه متشدد، أو يخشى أن السلطان ينقصه من راتبه، أو يحيله عن منصبه، حيث قال: إن هذا حرام، فيذهب، ويقول: إنه حلال؛ ليشتري به ثمناً قليلاً؛ وهو الجاه عند العامة، أو البقاء في المنصب عند السلطان   المهم أن الآية معناها العام أن من الناس من يدع دين الله لشيء من أمور الدنيا ^^^^^^^^^  سماحة الشيخ العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى http://binothaimeen.net/content/10020

الجمع بين آيتين ظاهرهما التعارض

السؤال:ما معنى هاتين الآيتين، وهل بينهما تعارض: الآية الأولى من سورة السجدة:{ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} ، والآية الثانية من سورة المعارج:{ تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} ؟ الحمد لله قبل الإجابة عن هذا السؤال أود أن أبين أنه ليس في كتاب الله ولا فيما صح عن رسول صلى الله عليه وسلم تعارض أبداً، وإنما يكون التعارض فيما يبدو للإنسان ويظهر له إما لقصور في فهمه أو لنقص في علمه، ولا تتهم كتاب الله عز وجل وما صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم بتعارض وتناقض أبداً. وبعد هذه المقدمة أقول:     إن الآيتين اللتين أوردهما السائل في سؤاله الجمع بينهما : أن آية السجدة في الدنيا، فإنه سبحانه وتعالى يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه في يوم كان مقدار هذا اليوم الذي يعرج إليه الأمر مقداره ألف سنة مما نعد، لكنه يكون في يوم واحد، ولو كان بحسب ما نعد من السنين لكان عن ألف سنة.    وأما الآية التي في سورة المعارج فإن ذلك يوم القيامة كما قال تعالى : ﴿سأل سائل بعذاب واقع  لل...

الشعور بالحرج في طلب العفو من المظلوم

الحمد لله حقوق العباد ومظالمهم : إما أن يتم أداؤها إليهم ، وإما أن يستسمحوا منها ويطلب منهم العفو. فإذا لم يحصل شيء من ذلك بقي عليه الوعيد بالقصاص يوم القيامة  والاقتصاص بين الناس في ذلك اليوم يكون بالحسنات والسيئات. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ "    رواه البخاري (2449). فتوبة الظالم ونجاته من آثار ظلمه : يكون بعفو المظلوم ، أو أداء حقه إليه.   والظلم الذي صدر من الإنسان تجاه غيره أنواع: منها : الظلم في المال: والتوبة من هذا تكون بإرجاع المال إلى المظلوم؛ والمطلوب أن يصل المال إليه ولو بدون إعلامه.   ومنها : الظلم في البدن كالضرب: والتوبة من هذا تك...

معنى حديث : من ضارّ ضارّ الله به

السؤال: حديث مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ . الترمذي 1940 ، لكني أرى كثيرا من الناس يضرون ويشاقّون الآخرين والله لا يشقّ عليهم.   الحمد لله عَنْ أَبِي صِرْمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:   " مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ " [1] ومعنى هذا الحديث صحيح ، تشهد له أدلة الشرع، فهو من باب الجزاء من جنس العمل، وقد تضافرت أدلة الشرع على تأكيد هذه القاعدة    ما استشكله السائل من أنا قد نرى شخصا يضر الناس ويؤذيهم ويشق عليهم؛ لكن ظاهر حياته أنها مترفة منعّمة، لا تنغيص فيها ولا تكدير، فمثل هذه الصور لا ينتقض بها معنى هذا الحديث ، وبيان ذلك من وجوه :  أنّ هذا التصور مبني على ظاهر هذا المؤذي الظالم، وكثيرا ما يلحق مثل هذا الظالم من الضرر والمشقة النفسية ما يجعله في نكد من العيش ، وضنك وكرب ، حتى إنه ليضيق بحياته وبمتع الدنيا المحيطة به؛ فهو يملك متع الدنيا؛ لكنه محبوس عنها، مبتسم الشفاه؛ لكنه متألم القلب.   والعذاب إذا أُخِّر عن الظ...